أقلام

من الضم الزاحف إلى ثورة الاستيطان .. كتب أسامة خليفة

مارست إسرائيل سياسة الحسم بفرض وقائع في الضفة الفلسطينية عبر إجراءات استيطانية ممنهجة ومدروسة وحاسمة لتحقيق الضم الفعلي للضفة الغربية، بما يُعرف بـ«الضمّ الزاحف». تشمل هذه السياسة توسيع المستوطنات ومصادرة الأراضي والسعي لربط الكتل الاستيطانيّة، وإصدار القوانين والقرارات التي تنظّم الاستيطان، كان أخرها يوم الأحد 15/2/2026 عندما صوّت مجلس الوزراء الأمني المصغر «الكابينت»، على مشروع قرار يسمح بفرض السيادة الإسرائيلية على الأراض في الضفة الغربية وتحويلها إلى «أملاك دولة»، قرار الاحتلال يهدف إلى ربط التجمعات الاستيطانية ببعضها البعض، بما يحوّلها إلى كتلة واحدة متواصلة جغرافياً تقطّع أوصال الأراضي الفلسطينية. وأقر «الكابينت» خطوات لتسهيل شراء هذه الأراضي واعتماد تسجيلها رسمياً، مما يتيح تسجيل «أراضي الدولة» باسم المستوطنين والمؤسسات والأجهزة الإسرائيلية، من هذه التسهيلات:

1-رفع السرية عن السجلات العقارية الموجودة لدى الإدارة المدنية الإسرائيلية منذ احتلال الضفة الغربية عام 1967، تسمح للمستوطنين بالوصول إلى بيانات المالكين الفلسطينيين للاطلاع على معلومات يستفيدون منها، ففتح سجلات الأراضي للاطلاع العام يسهل على الجمعيات الاستيطانية تحديد الثغرات القانونية في ملكية الأراضي الفلسطينية لاسيما «أملاك الغائبين»، والسيطرة عليها عبر كل وسائل الاحتيال والتزوير، يقول مدير دائرة وسط الضفة في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية صلاح الخواجا، إن الأخطر على القدس في قرارات الكابينيت رفع السرية عن مالكي العقارات والأراضي في محاولة لخلق فتن جديدة وعقد صفقات مزورة للاستيلاء على الأراضي والسيطرة عليها.

2-توسيع الرقابة والهدم لتشمل مناطق سيطرة السلطة الفلسطينية «أ» و «ب» في قضايا مثل المخالفات البيئية أو الأثرية. أو المواقع الدينية الهامة، يشمل القرار 63 موقعاً سيكون تحت سيطرة سلطات الاحتلال، من المتوقع أن تكون مدينة الخليل أولى المدن الفلسطينية المستهدفة، تسمح الإجراءات الجديدة لإسرائيل بسيطرة أمنية وإدارية كاملة على الحرم الإبراهيمي، حيث يتم سحب صلاحيات البناء والترخيص من بلدية الخليل ونقلها إلى المجلس الديني لمستوطنة كريات أربع، وإلى سلطة محلية إسرائيلية وظيفتها التخطيط والبناء وإدارة الأراضي، لن تقتصر الإجراءات الاسرائيلية على تغيير معالم الموقع، وتسهيل الاستيطان، بل تشمل هذه الإجراءات التقسيم الزماني والمكاني، وإغلاقات متكررة تمنع وصول المصلين المسلمين إلى الحرم، أو تقلل الوجود الفلسطيني فيه لصالح المستوطنين. ويمكن تطبيق هذه الإجراءات على مناطق عديدة تحوي مواقع دينية، وسيكون مجمع قبر راحيل أو مسجد بلال بن رباح قرب بيت لحم، الثاني في الاهتمام الإسرائيلي بعد الحرم الابراهيمي. فقد قررت إسرائيل نقل إدارة مجمع قبر راحيل من بلدية بيت لحم إلى إدارة إسرائيلية مباشرة، وتم عزلها بالكامل عن محيطها الفلسطيني في بيت لحم، وتحويلها إلى مزار ديني يهودي.

قرار الكابينيت الإسرائيلي سحب صلاحيات الترخيص والبناء من بلدية الخليل، يلغي عملياً بروتوكول الخليل الموقع في 17 كانون الثاني/ يناير1997 والذي يقسم المدينة إلى قسمين: «الخليل1» ويتبع للسيادة الفلسطينية، و«الخليل2» ويخضع للسيطرة الإسرائيلية ويضم أجزاء واسعة من جنوب وشرق المدينة.

أما قرية النبي صموئيل الواقعة شمال غرب القدس في المنطقة «ج» فتقع على تلة استراتيجية تتمتع بجمال الطبيعة، وتحوي أماكن دينية، عزلها الاحتلال عن محيطها بعد نكسة حزيران 1967، وصنف الاحتلال أراضيها كمحمية طبيعية، ومنع البناء فيها، ثم دمّر معظم بيوتها عام 1971، وتحولت إلى مستوطنة وحديقة قومية إسرائيلية.

3-إلغاء القانون القديم الذي منع بيع الأراضي لليهود، والذي حدت سلطات الاحتلال من صلاحياته عبر تفسيرات إسرائيلية صارمة للقوانين العثمانية والأردنية، ومطالب وشروط تعجيزية تعقّد إثبات الفلسطينيين ملكيتهم الخاصة، وتشكك بصحتها، يعمل القانون الجديد على استبدال قوانين الملكية بإحلال القانون الإسرائيلي مكان القانون العثماني والقانون الأردني وسجلاتهما الرسمية، اللذان شكّلا أساس الملكية الفلسطينية، وإثبات الصفة القانونية عن حق الفلسطينيين فيها، وعملا على حماية الحق الفلسطيني بالأرض، ومنعا المستوطنين من شراء الأراضي مباشرة، والآن أصبح بإمكان المستوطن الشراء مباشرة، وتسجيل الملكية في السجلات الرسمية «الطابو الإسرائيلي».

وصف وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش هذا القرار بأنه «ثورة استيطانية» للسيطرة على أراضي الضفة الغربية المحتلة، تهدف إلى قلب الواقع القانوني في الضفة، في سابقة لم تحدث منذ عام 1967. بل يسعى لاستنساخ التجربة في النقب والجليل، واعتبر وزراء في الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة أن استئناف تسوية وتسجيل الأراضي في الضفة يشكل خطوة سيادية وأمنية تهدف لترسيخ السيادة الإسرائيلية على الأرض وتمليكها بالشكل القانوني، وشرعنة إدارة سلطات الاحتلال للأراضي.

كان غياب التسجيل الرسمي يبطئ الاستيطان، ويؤخر تطوير البنية التحتية للمستوطنات، وفي حالات تؤدي الملاحقات القضائية في المحاكم الإسرائيلية إلى عرقلة صفقات بيع الأراضي عملاً بالقوانين الأردنية والعثمانية، مما أوجد صعوبة ما في لتملك الإسرائيلي لأراضي الضفة، حيث كان محصوراً في الإدارة المدنية التابعة للجيش، وفق أوامر عسكرية كأرض محتلة تدار عسكرياً.

4-إلغاء الحاجة لتصاريح خاصة لشراء الأراضي في الضفة الغربية تصدرها الإدارة المدنية التابعة للجيش. وستصبح الأراضي قابلة للتسويق كعقارات يمكن تملكها من قبل المستوطنين وتسجيلها عبر«سلطة تسجيل وتسوية الحقوق العقارية» تابعة لوزارة العدل الإسرائيلية التي ستعمل داخل الضفة المحتلة، وتسجل ملكية مساحات شاسعة من الضفة الغربية في سجلات إسرائيلية رسمية، عبر عملية تسوية تسمى «تسجيل الطابو» تستهدف هذه العملية في مرحلتها الأولى تنظيم وتسجيل ما نسبته 15% من أراضي الضفة مع التركيز على المناطق «ج» التي تشكل حوالي « 60% » من الضفة وتخضع للسيطرة الإسرائيلية الكاملة بحلول نهاية 2030، واستكمال باقي الأراضي في المرحلة اللاحقة.

وعلى هذا يتوقع في المرحلة المقبلة تسارع وتيرة بناء المستوطنات، وتوسيع صلاحيات الهدم والرقابة الإسرائيلية لتشمل مناطق «أ» و «ب» الخاضعة إدارياً للسلطة الفلسطينية بذريعة حماية الآثار والتحكم بالمياه والحفاظ على البيئة. حيث تصنف سلطات الاحتلال الإسرائيلي 63 موقعاً في الضفة الغربية المحتلة مواقع تاريخية وأثرية إسرائيلية، اعتبرت السلطة الفلسطينية القرار تصعيداً خطِراً وضماً فعلياً للضفة الغربية، وانتهاكاً للقرار الأممي 2334، ومحاولة لتغيير الوضع القانوني للأرض المحتلة وفرض وقائع لا يمكن الرجوع عنها، وقالت إن هذه الإجراءات لن تغيّر من الحقيقة القانونية والتاريخية بأن الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية وقطاع غزة، هي أرض فلسطينية محتلة وفق القانون الدولي والشرعية الدولية.

تعتبر بلدة سبسطية، أهم مثال على الخطط الإسرائيلية في «التسلل بالآثار» كما تصفه هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، كوسيلة للضم التدريجي. تنفي السلطة الفلسطينية الرواية التوراتية لموقع سباسطية، التي تزعم أن سبسطية هي عاصمة «مملكة إسرائيل القديمة»، في السادس من أغسطس/آب 2025، أصدر الجيش أمراً عسكرياً بالاستيلاء على أرض بمساحة 1.3 دونم في قمة موقع سبسطية الأثري، تمهيداً لضم الموقع إلى السيطرة الإسرائيلية، وبالتالي، مصادرة الأراضي الزراعية الموجودة حول الموقع، وضمها إلى ما يسمى «حديقة السامرة الوطنية»، المكتشفات الأثرية في سبسطيا تنفي أيضاً الرواية الإسرائيلية، بعد أن أنهت السلطة الفلسطينية أعمال إصلاحات في الموقع تحت إشراف اليونسكو، منذ العام 2020، بدأت الادارة المدنية الإسرائيلية بالتدخل والقيام بحملة شملت حفريات علنية وسرية، وتمويل أبحاث أكاديمية، واستقدام بعثات تنقيب محلية ودولية، ليس بهدف البحث عن الآثار، أو بهدف تكريس الرواية الإسرائيلية فقط، بل أيضاً لعزل المنطقة الأثرية عن باقي أراضي سبسطية، وتوسيع المستوطنات وإقامة بؤر استيطانية جديدة، على الرغم من أن سبسطية أدرجت على قائمة التراث العالمي الإسلامي لدى منظمة الإيسيسكو عام 2024، ووجودها على قائمة اليونسكو، فإن الاحتلال يواصل المضي بخططه، متجاهلاً اتفاقية لاهاي لعام 1954 الخاصة بحماية الممتلكات الثقافية أثناء النزاعات، واتفاقيات جنيف التي تحظر على قوة الاحتلال تغيير الطابع التاريخي والثقافي للأراضي المحتلة أو استغلاله لأغراض سياسية وعسكرية. هناك أكثر من 7000 موقع أثري معروف في الضفة الغربية، ويمكن أن يؤدي تمرير هذا القانون إلى تدخّل سلطة الآثار الإسرائيلية في هذه المواقع التي تنتشر في كل القرى الريفية والبدوية والمدن في الضفة الغربية للاستحواذ عليها، ومصادرة الأراضي التي حولها لتوسيع شبكة المستوطنات.

ويعد إنشاء المستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967 بما فيها القدس الشرقية، باطلة وغير شرعية وفقاً للقانون الدولي، وقرار مجلس الأمن 2334، الصادر بتاريخ 23 ديسمبر/كانون الأول 2016، ملف الاستيطان وضم الضفة، هو أحد الملفات التي قضت فيها محكمة الجنايات الدولية، ومحكمة العدل الدولية، وأكدتا أن كل ما نتج عن هذا الاحتلال «باطل وغير شرعي وغير قانوني »، وطالبت بإنهائه فوراً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *