خاص المواطن

لماذا تبني إسرائيل مطارين دوليين قرب غزة ولبنان الآن؟

خاص المواطن
بعد سنوات من الحروب على جبهتي غزة ولبنان، انتقلت إسرائيل—وفق خطابها الرسمي—من مرحلة “الطوارئ” إلى مرحلة “المشاريع الكبرى”. وفي خطوة وُصفت بأنها استراتيجية بعيدة المدى، صادقت الحكومة الإسرائيلية برئاسة بنيامين نتنياهو على إنشاء مطارين دوليين جديدين في الجنوب والشمال، أحدهما قريب من قطاع غزة والآخر قرب الحدود اللبنانية، في مشروع يحمل أبعادًا تتجاوز الاقتصاد إلى السياسة والأمن والديموغرافيا.

قرار حكومي مزدوج

أقرّ مجلس الوزراء الإسرائيلي إقامة مطارين دوليين بالتوازي:

مطار جنوبي في منطقة تسيكلاغ (زيكلاج) بالنقب، قرب بئر السبع وعلى مسافة قصيرة نسبيًا من قطاع غزة.

مطار شمالي في منطقة رمات دافيد بمرج ابن عامر على مقربة من الحدود اللبنانية.

ويأتي المشروعان كمكمّلين لمطار بن غوريون، المنفذ الجوي الرئيسي لإسرائيل، والذي تشير تقديرات رسمية إلى أنه يقترب من سقف طاقته الاستيعابية مع توقع زيادة حركة السفر خلال السنوات المقبلة.

خطاب الانتصار: «البناء العظيم»

قدّم نتنياهو المشروع باعتباره دليلًا على انتهاء التهديدات الأمنية الكبرى، مؤكدًا أن إسرائيل لم تعد في حالة دفاع دائم بل دخلت مرحلة “البناء القومي”. وقال إن الهدف هو تطوير منطقتي النقب والجليل وتحويلهما إلى محركات نمو اقتصادي، عبر بنية تحتية تشمل طرقًا سريعة وشبكات قطارات وربطًا مباشرًا بالمركز.

ويرى مراقبون أن إنشاء مطارين في مناطق كانت مسرحًا للصراع يحمل رسالة سياسية بقدر ما هو مشروع تنموي، إذ يهدف إلى تكريس صورة التعافي السريع والانتصار بعد حرب طويلة، وتعزيز الثقة بالاقتصاد الإسرائيلي داخليًا وخارجيًا.

لماذا الأطراف تحديدًا؟

تقول الحكومة الإسرائيلية إن المشروع يهدف إلى تقليص الفجوة بين المركز والأطراف، لكن اختيار مواقع قريبة من حدود متوترة سابقًا يمنح المشروع دلالات إضافية.

فالمطار الجنوبي يقع على مسافة تُقدّر بعشرات الكيلومترات فقط من غزة، بينما يبعد المطار الشمالي نحو خمسين كيلومترًا عن لبنان. وتشير تقارير إسرائيلية سابقة إلى أن هذه المواقع كانت تُعدّ حساسة أمنيًا، لكن “تغير الواقع الأمني” بعد الحرب سمح بإعادة طرحها.

كما يمنح توزيع المطارات شمالًا وجنوبًا إسرائيل قدرة أكبر على الحفاظ على الحركة الجوية في حالات الطوارئ، بدل الاعتماد على منفذ واحد قد يتعطل في حال التصعيد.

بن غوريون… عنق الزجاجة

يشكّل مطار بن غوريون العمود الفقري للنقل الجوي الإسرائيلي. ومع تعافي حركة الطيران بعد فترات التراجع المرتبطة بالحرب، عاد الضغط على المطار ليصبح مبررًا أساسيًا للمشاريع الجديدة.

وتحذر تقديرات رسمية من أن الوصول إلى سقف الطاقة التشغيلية قد يخلق أزمة مستقبلية في قطاع الطيران والسياحة، ويجعل إسرائيل عرضة للعزلة المؤقتة في حال تعطّل المطار لأي سبب أمني أو تقني.

أبعاد أمنية غير معلنة

رغم الطابع المدني للمشروع، يرى خبراء أن للمطارات الجديدة وظائف استراتيجية غير مباشرة. فالمطارات الكبرى تتطلب مساحات جوية محجوزة ومسارات طيران وأنظمة ملاحة، ما يعزز السيطرة الجوية في المناطق المحيطة.

كما أن وجود حركة طيران مدنية كثيفة قرب مناطق حدودية قد يرفع كلفة أي تصعيد عسكري، ويخلق واقعًا جديدًا يصعب تغييره لاحقًا.

تداعيات على الفلسطينيين

بالنسبة للفلسطينيين، خصوصًا في قطاع غزة، يُنظر إلى المطار الجنوبي باعتباره مشروعًا يُقام على مرمى البصر من منطقة تعاني قيودًا شديدة على الحركة والسفر، في وقت لا يملك فيه القطاع منفذًا جويًا مستقلًا.

ويرى محللون أن هذا الواقع قد يعمّق الفجوة في حرية التنقل والسيادة الجوية، ويعقّد أي ترتيبات مستقبلية لإنشاء مطار فلسطيني، إذ ستصبح الأجواء المحيطة أكثر خضوعًا للترتيبات التشغيلية الإسرائيلية.

مخاوف لبنانية

في الشمال، يثير مطار رمات دافيد قلقًا مماثلًا في لبنان، حيث قد يؤثر قربه الجغرافي على حركة الطيران الإقليمية والمنافسة على الرحلات العابرة، إضافة إلى البعد السيادي في منطقة شهدت توترات عسكرية متكررة.

مشروع قديم يعود للحياة

فكرة إنشاء مطار إضافي ليست جديدة؛ فقد طُرحت منذ أكثر من عقد لكنها واجهت عراقيل أمنية وبيئية وتخطيطية. الجديد هو قرار تنفيذ مشروعين معًا وبوتيرة سريعة، ما يعكس تحوّلًا في الأولويات الإسرائيلية بعد الحرب.

بين التنمية والرسائل السياسية

تؤكد الحكومة أن المشروع اقتصادي بحت ويهدف إلى خلق وظائف وجذب السياحة والاستثمار، لكن توقيته ومواقعه يجعلان منه أيضًا أداة سياسية ترسّخ واقعًا جديدًا على الحدود.

فالمطارات ليست مجرد بنية تحتية للنقل، بل بوابات سيادة ومؤشرات على الاستقرار طويل الأمد. وبالنسبة لإسرائيل، فإن تحويل مناطق كانت ساحات قتال إلى مراكز استقبال دولية يمثل إعلانًا بأن مرحلة الحرب انتهت—أو على الأقل لم تعد تحدد مستقبل الدولة.

خلاصة

إن إنشاء مطارين دوليين قرب غزة ولبنان يتجاوز كونه مشروع نقل أو سياحة. إنه خطوة تعكس تصورًا إسرائيليًا لمرحلة ما بعد الحرب: تعزيز السيطرة، توزيع المخاطر، تحفيز الاقتصاد، وترسيخ واقع جغرافي وسياسي جديد على حدود لا تزال تحمل آثار الصراع.

وبينما تراه إسرائيل دليل قوة وتعافٍ، ينظر إليه الفلسطينيون واللبنانيون باعتباره مشروعًا قد يعيد تشكيل ميزان القوى في المنطقة لسنوات قادمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *